
يتدهور النظام الصحي الهش في اليمن بسرعة، حيث يهدد انخفاضُ التمويلِ والقيودُ التشغيليةُ استمراريةَ الرعاية الصحية وسط انتشار انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، ونقص المياه، وتدهور الأوضاع الصحية وانتشار الأمراض.
وقد أدى استمرار الوضع الوبائي في البلاد، إلى جانب انخفاض معدلات التطعيم ومحدودية الوصول إلى الخدمات الصحية في المناطق النائية، إلى تفشي الأمراض بشكل متكرر؛ مما أعاق فعالية تطبيق تدابير المكافحة.
في عام 2025م واجه اليمنيون تفشي العديد من الأمراض، بما في ذلك الكوليرا والحصبة وشلل الأطفال. ولا تزال الفجوات الواسعة في تغطية التحصين تُعرّض ملايين الأطفال لخطر الإصابة بأمراضٍ فتاكةٍ يمكن الوقاية منها باللقاحات. حالياً هناك 66% فقط من أطفال البلاد مُحصّنون بالكامل، ويعود ذلك في الغالب إلى مفاهيم خاطئة في المجتمع، وقيود تُفرض على حملات التطعيم في المحافظات الشمالية.
وكان عدم دفع رواتب العاملين الصحيين، ونقص الوقود، ونقص الأدوية المستمر، من بين العوامل التي فاقمت الأزمة.
وصع المنشآت الصحية:
منذ يناير 2025م واجهت 453 منشأة صحية إغلاقاً جزئياً أو وشيكاً؛ مما أثر على المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية والعيادات المتنقلة في 22 محافظة. وتشمل هذه المنشآت 177 مركزاً للرعاية الصحية الأولية، و200 وحدة رعاية صحية أولية، و76 مستشفى، و18 عيادة متنقلة.
في المناطق الشمالية تأثر 53 مستشفى و130 مركزاً للرعاية الصحية الأولية و144 وحدة صحية عامة، وعيادة متنقلة واحدة. وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية تأثر 23 مستشفى و47 مركزاً للرعاية الصحية الأولية و56 وحدة رعاية صحية أولية و17 عيادة متنقلة.
وحتى ديسمبر 2025م لم يتم تمويل قطاع الصحة إلا بنسبة 47.5% فقط، ليصل إلى 43% فقط من المستفيدين المستهدفين ضمن (خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية في اليمن لعام 2025م HNRP).
وحالياً تقدم أقلُ من نصفِ المرافقِ الصحيةِ الرعايةَ الأساسيةَ الطارئةَ للأمهات وحديثي الولادة؛ مما يزيد من مخاطر وفيات الأمهات وحديثي الولادة.
ووفقاً لبيانات (نظام مراقبة توافر الموارد والخدمات الصحية HeRAMS) فإن 59.3% فقط من المرافق الصحية تعمل بكامل طاقتها، ومعظمها مدعوم من خلال المساعدات الإنسانية أو دعم شركاء التنمية. فإذا استمرت اتجاهات التمويل على الوضع الحالي فقد يفقد نحو 2,300 مرفقٍ الدعمَ، لا سيما في المناطق الشمالية؛ مما يترك الملايين دون الحصول على الرعاية المنقذة للحياة. وتعاني المستشفيات من صعوبة في الحفاظ على الخدمات الحيوية، حيث أصبحت سلاسل إمداد الأدوية والمستلزمات الطبية أكثر هشاشة.
الأمراض والأوبئة:
الحصبة:
يُعدّ تفشي الحصبة مثيراً للقلق، ففي الفترة (مايو – أكتوبر 2025م) سجّلت اليمن أعلى عدد من حالات الحصبة على مستوى العالم. وبشكل عام تم الإبلاغ عن 23,817 حالة إصابة مؤكدة بالحصبة في البلاد في عام 2025م، منها 214 حالة وفاة، وفق تقديرات أممية.
وقال مسؤول الإعلام الصحي بمكتب الصحة العامة في محافظة تعز، تيسير السامعي: إنه تم تسجيل 106 حالات وفاة بفيروس الحصبة بين الأطفال في المحافظات الواقعة ضمن نفوذ الحكومة المعترف بها خلال العام 2025م.
وأضاف أن إجمالي عدد الأطفال المصابين بالفيروس في مناطق نفوذ الحكومة، خلال العام الماضي، بلغ 16,360 حالة جديدة.
وأوضح أن محافظة أبين تصدرت قائمة المحافظات في عدد الوفيات، بـ26 حالة، تليها عدن بـ21 وفاة، ثم مأرب بـ20 حالة وفاة، وسجّلت تعز 11 حالة وفاة و2241 إصابة بالفيروس.
الكوليرا:
يهدد وباءُ الكوليرا ملايين الأشخاص في اليمن الذي لا يزال ضمن الدول الثلاث الأولى عالمياً من حيث عدد الحالات المشتبه بها في عام 2025م.
ومنذ مارس 2024م تم الإبلاغ عن 339,371 حالة إصابة مشتبه بها بالكوليرا و1,102 حالة وفاة في 23 محافظة (بمعدل وفيات يبلغ 0.32%)، مع معدل إصابة وطني يتجاوز 1%؛ ما يدل على انتشار واسع النطاق للمرض على مستوى المجتمعات. ويتفاقم هذا الانتشار المستمر بسبب نقص المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، وسوء ممارسات النظافة الغذائية، والتأخر في طلب الرعاية الصحية، ومحدودية الوصول إلى العلاج المنقذ للحياة في الوقت المناسب.
شلل الأطفال:
عاد شلل الأطفال، الذي كان على وشك الاستئصال، للظهور وانتشر مجدداً منذ عام 2021م. ففي عام 2024م سجلت اليمن 187 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال المتحور، وهو أعلى عدد من الحالات في العالم.
وفي عام 2025م تم الإبلاغ عن 30 حالة في 10 محافظات، منها 29 حالة في المحافظات الشمالية. ويشير هذا العدد الكبير من الحالات إلى ضعف المناعة ضد فيروس شلل الأطفال المتحور، ويعود ذلك أساساً إلى انخفاض نسبة التطعيم بين الأطفال دون سن الخامسة.
الدفتيريا (الخُناق):
لا يزال الخناق يشكل مصدر قلق، حيث سُجلت 110 حالات مؤكدة و63 حالة وفاة (معدل الوفيات 57.27%)، ثلثاها بين الأطفال دون سن 15 عاماً، و68% منهم غير مُطعمين.
السرطان:
كشف مسؤول الإعلام بمكتب وزارة الصحة العامة والسكان في محافظة تعز، تيسير السامعي، عن رصد 1967 حالة مصابة بالسرطان خلال العام الماضي 2025 بزيادة 21% عن السنة السابقة.
وأوضح السامعي أن عدد الحالات ارتفع بنسبة 21% مقارنة بعام 2024م الذي شهد 1626 إصابة بالسرطان في المحافظة. مشيراً إلى أن هذه الحالات استقبلها (مركز الأمل لعلاج الأورام في تعز) الذي يُعَد من أهم المرافق الطبية لعلاج السرطان باليمن.
وحول أسباب ارتفاع الإصابات يعزو السامعي ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها: استمرار استخدام المبيدات السامة بشكل عشوائي في مزارع القات والخضراوات، وتدهور شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات؛ ما قد يؤدي إلى تلوث التربة والمياه الجوفية بمواد سامة.
وكان وزير الصحة العامة والسكان اليمني، الدكتور قاسم بحيبح، قد كشف أنه تم رصد 30 ألف حالة إصابة بمرض السرطان في البلاد سنوياً. وتشير تقديراتٌ إلى أن عددَ وفَياتِ مرضى السرطان في اليمن يصل إلى 12 ألفَ حالةٍ سنوياً.
ويُعد سرطان الثدي، وهو أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء في جميع أنحاء العالم، تهديداً متزايداً في اليمن، حيث أُغلقت مراكز علاج السرطان، والمراكز المتبقية تعاني من ضغط هائل، ويصعب الحصول على التمويل والأدوية اللازمة لعلاج السرطان.
وتتفاقم أزمة سرطان الدم لدى الأطفال في اليمن؛ نتيجة التلوث البيئي الناجم عن الحرب وانهيار النظام الصحي. فقد أدى الصراع إلى إطلاق مواد سامة، بما في ذلك المعادن الثقيلة والمخلفات المشعة، في النظم البيئية؛ مما ألحق ضرراً بالغاً بالأطفال خلال مراحل نموهم الحرجة. كما أدى التدمير المتزامن للبنية التحتية الطبية إلى تعطيل ما يقرب من نصف مرافق الرعاية الصحية، مما أدى إلى تأخير التشخيص وتقييد الوصول إلى العلاج.
وقد ارتفعت حالات سرطان الدم لدى الأطفال، التي أبلغت عنها وزارة الصحة اليمنية، 5 أضعاف خلال فترة النزاع، حيث شكل الأطفال 30% من مرضى السرطان. ومن المرجح أن هذه الأرقام تقلل من حجم الأزمة؛ بسبب نقص الإبلاغ المنهجي الناتج عن تدمير المختبرات، والنزوح، والعوائق التشخيصية في المناطق النائية.
ويفتقر اليمن إلى الأدوات الأساسية، مثل سجلات السرطان السكانية أو فحوصات السُمية الجينية، لتحديد تجمعات سرطان الدم وأسبابها. فبدون هذه البيانات يبقى تحديد مصادر التلوث ومحاسبة المسؤولين أمراً مستحيلاً. يُفاقم النزوح والفقر من تشخيصات المراحل المتأخرة ومعدلات الوفيات.
مضاعفات الحمل:
حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن 3 نساء يمتن يومياً في جميع أنحاء اليمن؛ بسبب مضاعفات حملٍ يمكن الوقاية منها. وتفتقر 6.2 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية الأساسية. وأضاف أن 7 ملايين شخص في اليمن بحاجة إلى دعم عاجل في مجال الرعاية الصحية النفسية.
الأمراض المنقولة بالنواقل:
الملاريا:
تهدد الملاريا 64% من السكان، وخاصة النساء الحوامل والأطفال الصغار في المناطق الغربية التي تُمثل 88% من الحالات.
حمى الضنك:
شهدت حمى الضنك ارتفاعاً حاداً في عام 2025م، حيث تم الإبلاغ عن أكثر من 24,000 حالة مشتبه بها و67 حالة وفاة في 15 محافظة؛ وهو ما يُمثل زيادة بنسبة 36% مقارنةً بعام 2024م. كما يُثير اكتشاف فيروسات حمى الضنك، من النوعين 3 و4 في عدن ولحج، مخاوفَ جدية؛ نظراً لارتفاع مخاطر الأعراض الحادة والوفاة.
استجابة الشركاء الصحيين:
بسبب محدودية الموارد نتيجةً لتقليص التمويل ركّز الشركاء في القطاع الصحي جهودهم على احتواء انتشار تفشي الأمراض من خلال مزيج من أنشطة التوعية والتدخلات المتكاملة في المواقع ذات الأولوية. ويجري دعم أكثر من 3000 مرفق صحي في جميع أنحاء اليمن، من خلال التمويل الإنساني والتنموي؛ لضمان وصول العاملين الصحيين بانتظام إلى المجتمعات في المناطق المصنفة ضمن الفئتين الأولى والثانية، وتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية الأساسية.
في المناطق النائية من المستوى الثالث (في المناطق الشمالية) نُفذت تدخلاتٌ متكاملةٌ في مجال الصحة والتغذية في 12 محافظة، وتلقى 2.2 مليون طفل لقاح الحصبة والحصبة الألمانية.
وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية نُفذت أربعُ جولاتٍ من حملات التوعية المتكاملة للوصول إلى الأطفال الذين لم تشملهم خدمات التحصين الروتينية، حيث وُفِرَت لقاحاتٌ ضد شلل الأطفال والحصبة وغيرها من التحصينات الروتينية. بالإضافة إلى ذلك نُفذت جولتان مُستهدفتان من التطعيم ضد شلل الأطفال أُجريت هذه الفحوصات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة استجابةً للحالات المؤكدة، ووصلت إلى 1.4 مليون طفل دون سن الخامسة.
للتصدي لأزمة الكوليرا، التي أصبحت متوطنة في اليمن، قامت اليونيسف وشركاؤها بتوسيع نطاق إجراءات التأهب والاستجابة. ووُزِعِت مجموعاتُ علاجِ الإسهال المائي الحاد مسبقاً في جميع المحافظات. وتدعم اليونيسف حالياً ما يقرب من 3200 مرفق رعاية صحية أولية لتوفير خدمات الإماهة الفموية، مع تقديم دعم إضافي لـ 50 مرفقاً صحياً في المناطق ذات العبء العالي، وتم دعم 15 مركزاً لعلاج الإسهال لإدارة الحالات الشديدة.
وعززت منظمة الصحة العالمية حالة التأهب والاستجابة للكوليرا من خلال دعم رصد الأمراض وإدارة الحالات
والتنسيق بين المحافظات المتضررة؛ مما ساهم في الحفاظ على انخفاض معدل الوفيات على المستوى الوطني رغم انتشار المرض على نطاق واسع.
ودعمت اليونيسف، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، حملات التطعيم ضد الكوليرا عن طريق الفم في المناطق عالية الخطورة ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، حيث وصلت إلى أكثر من 3.2 ملايين شخص في أواخر عام 2024م، ونحو 371 ألف شخص في منتصف عام 2025م بمعدلات تغطية تجاوزت 85%.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
* HUMANITARIAN UPDATE: HUMANITARIAN RESPONSE UNDER STRAIN: FUNDING CUTS DISRUPT LIFESAVING SERVICES ACROSS SECTORS. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). December 2025.
(تحديث العمل الإنساني: الاستجابة الإنسانية تحت الضغط: تخفيضاتً التمويلِ تعطلُ الخدماتِ المنقذةَ للحياة في مختلف القطاعات. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). تاريخ النشر: ديسمبر 2025م).
* موقع (المكتبة الوطنية للطب PMC، وهي مؤسسة تابعة للمركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية NCBI في وزارة الصحة الأمريكية)، 16 أبريل 2025م:
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12084118
موقع (الجزيرة نت)، 12 يونيو 2025م:
موقع (الجزيرة نت)، 29 ديسمبر 2025م:
موقع (الجزيرة نت)، 6 يناير 2026م:
موقع (يمن فيوتشر) الإخباري، 4 يناير 2026م:
https://yemenfuture.net/news/35917
![]()