
محمد باوزير- 27/8/1447هـ
آثار الصدقة في المجتمع:
تساءلتُ في نفسي عن سبب الأجور العظيمة التي جعلها الله للصدقة، سواء النافلة أو المفروضة، فلما تأملت آثارها وجدت الجواب.
– فالإسلام يرفع اهتمامات وغايات المسلمين، فهم خير أمة أخرجت للناس. أمةُ دعوةٍ وتعليمٍ ونصرةٍ وجهادٍ ومرحمةٍ.
– ويحث المسلمينَ فيما بينهم على التآخي، والتراحم، ونفْع الآخرين، وبذل الخير لهم.
وكل هذه المقاصد تحتاج إلى المال حاجةً عظيمةً؛ فعمارةُ المساجد تحتاج إلى المال، وكذلك الجهاد والتعليم والتزويج وقضاء حوائج الناس وتفريج الكربات وإطعام الطعام.. الخ.
فضل الصدقة:
– أجور الصدقة مضاعفة إلى 700 ضعف وأكثر، قال تعالى: {مثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].
وجاء رجل إلى النبي ﷺ بناقة مخطومة، فقال: “هَذهِ في سَبِيلِ اللهِ، فقال رسول الله ﷺ: لكَ بَهَا يومَ القِيامةَ سَبعمائة ناقةٍ، كُلها مَخطومةٌ” [رواه مسلم].
– وفي الحديث: “مَنْ كَانَ فِي حاجةِ أَخِيهِ كانَ اللَّهُ فِي حاجتِهِ، ومَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسلمٍ كُرْبةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بها كُرْبةً مِنْ كُرَبِ يوم القيامةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ الْقِيامَة” [متفق عليه].
– جَاءَ رجل إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟، وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا…” [رواه الطبراني وصححه الألباني].
– والصدقة كما تضاعف الحسنات فإنها تكفر السيئات: قال رسول الله ﷺ: “الصَدقةُ تُطفِئُ الخَطيئَةَ كَما يُطفِئ الماءُ النارَ” [رواه الترمذي وهو صحيح].
الصدقة برهان:
في الحديث: “الصَدَقَةُ بُرهانٌ” [رواه مسلم]. فهي دليل على إيمان المؤمنين واختلافهم عن المنافقينَ؛ فإنّ المُنافق يمتنِع منها لكونه لا يعتقدها، فمن تصدَّق استُدِلَّ بصَدَقَته على صِدق إيمانه.
بركات الصدقة على المتصدق في الدنيا:
– الصدقة ليست مجرد عطاء مادي، بل هي وسيلة لتطهير النفس من الشح، وتزكيتها لبلوغ مرتبة الإحسان، وتنمية الشعور بالرحمة والإنسانية:
قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103].
– والصدقة تزيد مال المتصدق ولا تنقصه، قال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [البقرة: 270]. وفي صحيح مسلم: “مَا نَقَصٌ مالٌ مَنْ صَدَقةٍ”.
– والصدقة تدفع البلاء عن المتصدق:
في الحديث: “دَاوُوا مَرضاكَم بِالصَدَقَةِ” [رواه أبو داود وحسنه الألباني].
قال ابن القيم رحمه الله: “للصدقة تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء، حتى ولو كانت من فاجر أو ظالم، بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاء. قال: وهذا أمرٌ معلوم للناس خاصتِهم وعامتِهم، وأهلُ الأرض كلهم مقرون به؛ لأنهم قد جربوه”.
أصناف المتصدقين:
سبق أهل الدثور بالأجور:
– ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فالأغنياء من أهل الأموال، هم في طليعة ركب المتصدقين. لأن المتصدق بماله يحصل على أجر الصدقة، وعلى الآثار الأخرى المترتبة على تصدقه. سواء في نفسه، أو في من تصدق عليه، إما يدعو له، أو يرى أثر السعادة عليه، وانتفاعه بهذه الصدقة.
جهد المقل أفضل الصدقات:
– ومن لم يكن من أهل الغنى، فليحذر أن يؤجل التصدق إلى أن يغتني ويؤتيه الله من فضله؛ بل عليه الحرص على الصدقة بما يتيسر معه. سئل رسولَ اللَّهِ: “أيُّ الصَّدَقةِ أفضلُ؟، فقالَ: جُهْدُ المقلِّ ، وابدَأْ بمَنْ تعولُ” [رواه أبو داود وهو صحيح]. أي ما يتصَدق به الفقير قليل المال على قَدر طاقته ووُسعه مع مَشَقَّة ذلك عليه.
وفي الحديث الصحيح: “سبقَ درهمٌ مائةَ ألفِ درهمٍ” [رواه النسائي]. إذا كان هذا الدرهم ممن لا يَملِكُ إلا دِرهَمَين فتَصدَّق بأحدِهما، وهو فقير محتاج؛، فيكون قد أنفَق نِصف مالِه، مع احتياجه إلى ما أنفقه.
المشارك في إيصال صدقة غيره، متصدق معه:
ومن شارك بوقته أو جهده وعمله أو فكره، في إيصال صدقات الآخرين إلى مستحقيها، فهو متصدق أيضاً وشريك في الأجر، حتى وإن كان يتقاضى أجراً على عمله.
– في الحديث: “إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِن طَعَامِ بَيْتِهَا غيرَ مُفْسِدَةٍ، كانَ لَهَا أَجْرُهَا بما أَنْفَقَتْ، ولِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بما كَسَبَ، ولِلْخَازِنِ مِثْلُ ذلكَ، لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شيئًا” [البخاري ومسلم].
– وفي الحديث: “إنَّ اللهَ يُدخِلُ بالسَّهمِ الواحِدِ ثلاثةَ نَفَرٍ الجَنَّةَ: صانِعُه الذي يحتَسِبُ في صَنعتِه الخَيرَ، والذي يُجهِّزُ به في سَبيلِ اللهِ، والذي يرمي به في سَبيلِ اللهِ” [رواه أبو داود، حسنٌ بشواهده].
– وفي الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الخَازِنَ المسلمَ الأمينَ الذي يُنفذ، وربما قال يُعطي ما أُمر به، فيعطيه كاملًا موفرًا طيبة به نفسُه، فَيَدفعه إلى الذي أُمر له به، أحد المتصدقين”.
الذي يدل غيره على الصدقة شريك في أجر الصدقة:
“مَنْ دَعَا إِلَى هُدَى كَانَ لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْل أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا ينْقص ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئاً” [رواه مسلم].
والذي يشفع بجاهه ومنصبه أو علاقاته شريك في أجر الصدقة:
قال تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مَنْهَا} [النساء: 85] أي من سعى في أمر، فترتب عليه خير، كان له نصيب من ذلك. قال مجاهد: “يُؤْجر الشفيعُ وإن لم يُشفّع”.
فالموفَّق هو من أنفق قبل أن يفوت الفوت، وسار في ركب المتصدقين: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10].
![]()